القاضي عبد الجبار الهمذاني
43
تثبيت دلائل النبوة
طالبهم ان يأتوا بمثل سورة منه فلم يأتوا مع شدة الحاجة إلى ذلك ، وقد بذلوا ما هو أعزّ وأعظم في دفعه وإبطال أمره من الأموال والأنفس والأولاد . وإذا كان هذا شأنه من السخف والركاكة ، وفيه الكذب والتناقض على ما يدّعي هؤلاء ، أعداء الاسلام ، فكيف يحتج عاقل بما هذا سبيله ؟ وكيف لم يقل أعداؤه له : تتحدّانا بشيء ركيك بارد غثّ متناقض ؟ وكيف لم يقل أعداؤه له ذلك ؟ وكيف يتبع ويطاع من هذا سبيله ؟ وكيف لم يقل أعداؤه لأتباعه : يا ويحكم فارقتم دينكم ، وأنفقتم أموالكم ، وسفكتم دماءكم ، وعاديتم الأمم ، واتبعتم رجلا حجته هذا القرآن وفيها الكذب والتناقض ؟ ومثل هذا لا يطاع ولا يتبع ، بل يكون في سقوط المنزلة بمحل من يركب قصبة ويركض في الأسواق ويقول : انا الملك ، وانا الأمير ، ويشتم الملوك والأمم والرؤساء ، ويتعادى خلفه الصبيان ؛ ومثل هذا لا يعاديه أحد ولا يضربه ولا يسبه فضلا ان يقتله / ، لأنه لا يضرّ أحدا ولا يغضب عاقل من فعله وقوله وإن شتمه وتواعده . فلم غضب أولئك العقلاء من قريش والعقلاء من العرب والدهاة من اليهود والنصارى وطبقات الأمم والملوك منه ومن أفعاله ، وبذلوا أموالهم وأولادهم ودماءهم في عداوته وفي الصدّ عنه والمنع من اتّباعه ، ورحلوا إلى الملوك يشكونه ويضجّون منه ، ويبعثونهم على قتله ، ويخوفونهم سطواته وغلبته على ممالكهم ؟ فقد رحلت قريش إلى النجاشي ملك الحبشة في هذا ، ورحلت نصارى العرب إلى قيصر ملك الروم في هذا ، وقد صار النضر بن الحارث بن كلدة إلى الفرس في هذا ، وكان من كسرى أبرويز في هذا ما هو مذكور ولعله ان يرد عليك ، وهذا مع « 1 » انه جواب لكل عدو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فهو كاف .
--> ( 1 ) في الأصل : مع ما